مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )

120

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )

وليس لنا إلّا أن نقول : إن ذلك هو وحدة صف المسلمين وعدم وقوع الاختلاف بينهم . فإن المسلمين الذين كانوا يحاولون إذ ذاك أن يباروا بقدرتهم العالم ، كانوا في ذلك مدينين لوحدة صفوفهم واتفاق كلمتهم ، وإنما كسبوا ما توفقوا إليه من التقدم والإطراد والفتوحات ببركة وحدة الكلمة . ولذلك فلا نجد إلّا أن نقول : لهذا كان سكوت الإمام ( ع ) . ولكن هل يصدق من لا يعرف الإمام ( ع ) : أن يكون شاب في الثالثة والثلاثين من عمره قد بلغ من بعد النظر والإخلاص حدا اقتدر به على إرغام نفسه والوفاء لدينه حتى يختار له طريقا ينتهي به إلى الحرمان . نعم هذا ما لا بد من الإذعان به له ( ع ) . وإنما تتبين لنا شخصية الإمام من هذه النقاط الحساسة في حياته . وليس ما قلناه نحن هنا ضربا من الظنون ، بل لقد تكلم هو ( ع ) عن هذا الموضوع وبين علة سكوته ذلك بكل صراحة ، إنها لم تكن سوى الحذر من نشوء التفرقة بين صفوف المسلمين . وكرر الإمام ( ع ) مقايسة موقفه ذلك بعد وفاة رسول اللّه ( ص ) مع موقف طلحة والزبير على عهده في نقض البيعة وإثارة الفتنة الداخلية بين المسلمين ، ويقول : إنه ( ع ) غض النظر عن الحق المسلم حذرا من التفرق ، بينما نقض هؤلاء بيعتهم ولم يراقبوا في إثارة ذلك الخلاف العظيم . ونقل ابن أبي الحديد في شرحه للخطبة : 22 عن عبد اللّه بن جنادة أنه قال : قدمت من الحجاز أريد العراق ، في أول إمارة علي ( ع ) ، فمررت بمكة ، فاعتمرت ، ثم قدمت المدينة ، فدخلت مسجد رسول اللّه ( ص ) ، إذ نودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، وخرج علي ( ع ) متقلدا سيفه ، فشخصت الأبصار نحوه ، فحمد اللّه ( ص ) ، ثم قال : « . . . أما بعد ، فإنه لما قبض اللّه نبيه ( ص ) ، قلنا : نحن أهله وورثته وعثرته وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا ، فصارت الإمرة لغيرنا ، وصرنا سوقة ،